(تيه الضّياع)

قد يواجه المرء في حياته منعطفاتُ وأحداثُ شتى لكن من أشد الأمور فتكًا بالمرء هو الفراع…

الفراغ بكل أشكاله: فراغ القلب والروح

وفراغ الوقت

وفراغ العقل

وكلٌ له درجتُه على المرء من خُطورة وسُوء


ففراغ القلب من تعلقه بالله ومحبته والرضا على قدره وخوفه قد يُملئ بشيء أخر من تعلقٍ بالدنيا الدنيّة أو أيُّ شيء فيها كصديق وغيره، ومن تعلق بذلك فقد عرَّض نفسه للخيبات والخسران وكل ما على الارض فانٍ؛ فإن فناء ما تعلق به قَلب المرء يؤدي إلى أذيَّته وإحزانه، وانعدام الرضا بداخل المرءِ يجعله يتحسر على حياته فلا يهنئ ولا يستطيب في عيشه.

فاملأ قلبك بما أمرك الله ولا تجعل الشيطان والدنيا تملؤُه لك.

وفراغ الروح من احتواء ودعم بالكلم الطيب يجعل المرء متعطش لكلمة طيبة، أو تصرف يشعره بوجوده وقد يجعله في بعض الأحيانِ يشحذُها بطريقة سيئة حتى لو أدى ذلك لفقدانه أغلى ما تملكه نفسه؛ فالروح العطشى لا تفكر سوى في ما قد يرويها، ويُقسي فراغُ الروح قلب المرءِ فتراه خاليًا من عَطف أو مودة، سمته الجفاء والغلظة!

وأما فراغ العقل فيجعلُ المرء جاهلٌ يتخبط في ترِهات الحياة لا يعلم شيئا، وقد يكون مليئًا لكن بشيء ليس به فائدة فيجعلهُ هشا يتأثر بكل ما يُعرض عليه فلا يميّز الصواب من الخطأ؛ ويتشرب كلّ شيء، فيلزم أن يُملأ بعلم يرفعه ويعلي شأنه، وحتى لا يُحط من قدره حين يتحدث وهو لا علم له…

وفراغ الوقت مَفسدة، وهنا أقصُد فراغ الوقت من أي عمل حتى لو كان متعة وترويح للنفس، فذاك جيدٌ

وأي وقت يَمرُّ على المَرء بُدون أي عَمل وبدون أي هدف يُسبب الشتات والضّياع فيبحَث عن أي شَيء يَملئ به وقته فيُجرب الجيد والدَّنيء والصَّالح والطَّالح فيَهوي بهِ ذاك الضَّياع إلى دوَّامة من السُّوء ويفقد بها ما تعب في جمعه.

ويحضرني هنا قول الإمام ابن الجوزي:

“النفس اذا لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية “



فقم بملأ حياتك أنت وأحكمها حتى لا تتُوه في طُرق وعرة ومتاهات تُحتم عليك الضَّياع ويصعُب الخروجُ منها فيُهدر عمرك بدون أيّ تقدم تحرزه، فإن العُمر لا يُعود والحَياة ستعاشُ مرة، وإن ضعتَ في أودية الفراغ ستفقد ذاتك، ها أنا أحدثك من هناك بعد أن مررت بشتى أشكال الفراغ، وتخبطت كثيرًا حتى تمكنت من الخروج من تلك الدوّامة وعزمتُ أن لا أسمح بنفسي للعودةِ إلى هناكَ أبدًا.

أضف تعليق